اكسب مُجرِّب ولا تخسر طبيب

الكاتب: د. أروى الحربي

ما إن يقول أحدهم: «أنا أعرف شخصًا حدث له كذا…»

حتى يتغيّر إيقاع الحديث.

يصمت الجالسون، وتتهيأ نفوسهم لتلقّي ما سيأتي.

وكأن هذه المقدمة وحدها تكفي لتمنح الكلام سلطةً تُغنيه عن الشاهد والبرهان.

ثم تبدأ الحكاية.

أنا أعرف شخصًا تناول هذا الدواء، فازداد مرضًا.

وأعرف طفلًا تلقّى ذلك اللقاح، ثم أصابه ما أصابه.

وأعرف قريبًا جرّب وصفةً بسيطة، فشُفي بعدما عجز عنه الأطباء.

ولأننا نعرف هذا الشخص، أو نعرف مَن يعرفه، تبدو قصته أقرب إلى التصديق من دراسةٍ لم نرَ أصحابها، ولا عرفنا أسماءهم.

ولعل هذا من طبائع النفس.

فالإنسان لا يأنس إلى الأرقام كما يأنس إلى الوجوه، ولا يحفظ الجداول كما يحفظ الحكايات.

ولهذا، إذا قيل له إن بحثًا شمل مئات الآلاف من الناس انتهى إلى نتيجةٍ ما، أدركها بعقله.

فإن قيل له بعدها: «لكن ابن خالتي حدث له خلاف ذلك.»

وجدت هذه الجملة في نفسه من الأثر ما لم تجده الدراسة كلها.

ليس لأن الحكاية أصدق.

ولا لأن البحث أضعف.

ولكن لأن القصة تُجسِّد المعنى، أما الرقم فيُجرِّده.

وليس هذا خاصًا بالطب.

فنحن نفعل الشيء نفسه في شؤون كثيرة.

نسمع -مثلًا- مئات المرات أن الطائرة أكثر أمانًا من السيارة.

ونعلم أن الطريق يحصد من الحوادث أكثر مما تحصده السماء.

ومع ذلك، فإن خبر سقوط طائرةٍ واحدةٍ كفيلٌ بأن يزعزع ما رسخته مئات الأرقام.

ولا عجب؛ فللطائرات قصصٌ تُروى، وللسيارات أرقامٌ تُحصى.

ولهذا تجد الشائعة الطبية طريقها إلى الناس سريعًا -رغم افتقارها إلى الدليل- فقط لأنها محمولة على الحكاية.

حكاية أم، أو طفل، أو مريض، أو قريب.

وما دامت الحكاية قد بلغت القلب أولًا، فقد صار على الحقيقة أن تقطع طريقًا أطول حتى تبلغ العقل.

ومع ذلك، فليس في هذا ما يدعو إلى ازدراء القصص؛ فهي- في الغالب- صادقة.

غير أنّها تصدقُ في حدود أصحابها، لا في حدود الناس جميعًا.

فالرجل الذي يقول: «هذا ما حدث لي»، إنما يتحدث عن نفسه، وعن تجربته.

لكننا – من حيث لا نشعر- نتجاوز التجربة إلى الحكم.

فالحكاية لا تخبرنا إلا بما وقع لإنسان واحد.

أما نحن، فنجعل منها حكمًا على الناس جميعًا.

وهنا تكمن المشكلة.

ومن ذلك أن يقول قائل: أعرف رجلًا دخّن عمره كله ولم يُصَب بالسرطان، وأعرف آخر أصابه السرطان ولم يدخن يومًا.

وكأن نجاة الأول تنفي ضرر التدخين، أو إصابة الثاني تنفي علاقته بالسرطان.

والحقيقة أن التدخين لا يجعل المرض حتمًا، كما أن تركه لا يجعل السلامة حتمًا، وإنما يزيد من احتمال الضرر.

فلا تنقضُ نجاةُ فردٍ خطرًا ثبت بين الناس، ولا يصبح الفعل آمنًا لأن صاحبه أفلت من عاقبته.

وما يجب أن ندركه هو أن العلم لا يسأل: ما الذي وقع لإنسان واحد؟

بل يسأل: ما الذي يغلبُ أن يقع إذا تكرر الأمر مع آلاف الناس؟

وبين تجربةٍ عاشها فرد، وحقيقةٍ تتكرر بين الناس، فرقٌ لا تردمه روايةٌ واحدة، مهما صدقت، ومهما أثّرت.

ومما يؤيد هذا المعنى ما وقع في حديث الرجل الذي شكا بطن أخيه، فأمره النبي ﷺ أن يسقيه العسل، فلما قال: إن بطنه لم يزدد إلا استطلاقًا، قال: «صدق الله، وكذب بطن أخيك».

فلم يجعل النبي ﷺ الواقعة الفردية ناقضةً للحقيقة، بل نبَّه إلى أن تأخر ظهور الأثر لا يُبطل الأصل.

وبهذا نخلُص إلى أن القصص تُسمع ويُستأنس بها، لكنها لا تكفي وحدها لإصدار الأحكام.

والتجربة الفردية تبقى موضع اعتبار، لا موضع تعميم.

ولعل من معاني قوله تعالى: ﴿ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾، أن الإنسان لا يطمئن إلى المجهول، ولا يبني قراراته على حكايات، وإنما يحتاط لنفسه بما يغلب على الظن أنه الحق.

فالحكاية تُخبر عن واقعةٍ واحدة، أما الحقيقة فتُعرف بما يتكرر.

ومن خلط بين الأمرين، جعل الاستثناء أصلًا، والحكاية ميزانًا، فضلَّ في الحكم، وإن صدق في الرواية.

Loading