وميض القلم 🖊️
اكسب مُجرِّب ولا تخسر طبيب
ما إن يقول أحدهم: «أنا أعرف شخصًا حدث له كذا…» حتى يتغيّر إيقاع الحديث. يصمت الجالسون، وتتهيأ نفوسهم لتلقّي ما سيأتي. وكأن هذه المقدمة وحدها تكفي لتمنح الكلام سلطةً تُغنيه عن الشاهد والبرهان. ثم تبدأ الحكاية. أنا أعرف شخصًا تناول هذا الدواء، فازداد مرضًا. وأعرف طفلًا تلقّى ذلك اللقاح، ثم أصابه ما أصابه. وأعرف قريبًا جرّب وصفةً بسيطة، فشُفي بعدما عجز عنه الأطباء. ولأننا نعرف هذا الشخص، أو نعرف مَن يعرفه، تبدو قصته أقرب إلى التصديق من دراسةٍ لم نرَ أصحابها، ولا عرفنا أسماءهم. ولعل هذا من طبائع النفس. فالإنسان لا يأنس إلى الأرقام كما يأنس إلى الوجوه، ولا يحفظ الجداول كما يحفظ
![]()
![]()
كنز التنوُّع اللهجي
من أبرز العوامل المؤثرة على تعدد اللهجات في نطاق جغرافي معيّن هي الحواجز الفاصلة بين المتحدثين، وقد يفصل بين المتحدثين حدود سياسية، أو حدود جغرافية، كالجبال والأنهار والصحاري، أو حدود اجتماعية، كالطبقات الغنية والطبقات العاملة ممن لا يختلطون ببعضهم، أو غيرها من أنواع الحواجز المانعة من التواصل البشري المباشر؛ فينتج عن هذا الفصال تفرّع في مسارات التغيّر اللغوي، ومنه نشأة لهجات مختلفة. ولكل لهجة مستقلة قيمةٌ إنسانية واجتماعية ولغوية. فقيمتها الإنسانية أو الأنثروبولوجية تنبع من كون اللغة قالب حفظ الثقافة، ويبقى من تراث المجتمع وفكره وعاداته وأدواته بقدر ما يبقى من لغته، وقد نصت على هذا السياسة الوطنية السعودية للغة العربية في منطلقاتها
![]()
![]()
سيرةٌ في جواب
سيرةٌ في جواب بدأ الأمر بسؤال عابر، قيل على سبيل التسلية. سؤال من النوع الذي تظن أن الجميع سيجيب عنه سريعًا، ثم نبتسم قليلًا وننتقل إلى حديث آخر. لكن الحديث لم ينتقل، بل اتّسع. أجاب أحدهم بلا تردّد، واعترض آخر، وبقي ثالث صامتًا، كأن السؤال طرق بابًا في داخله لم يكن ينوي فتحه. وبعد دقائق، لم يعد أحد يتحدّث عن السؤال نفسه. صار كل شخص، من حيث لا يشعر، يتحدّث عن تجربته، وعن خوفه، وعن طريقته في فهم الناس والحياة. عندها أدركتُ أن بعض الأسئلة لا تطلب جوابًا بقدر ما تكشف صاحبه. إنها لا تفتح بابًا إلى الفكرة وحدها، بل تفتح نافذة صغيرة
![]()
![]()
العامّية حامية الفصحى
قال الله سبحانه وتعالى ﴿ إنا نحن نـزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴾ [الحجر: 9]، ومعروف إن من حفظ الذكر حفظ القالب الذي اختاره الله له، وهو اللغة العربية الفصحى. وقد قيّض الله للفصحى من يحفظها بتدوين قواعدها، وبيان معاني ألفاظها، وتحرير صور نطقها، حتى تكوّن عندنا تراث لغوي ثمين شمل كل نواحي العربية الفصحى، ولم يكد يُهمل جانبًا من اللغة إلا وحرره وناقشه. لكننا لا نغفل عن المحفّز الأول لوضع قواعد الفصحى، وهي قصص على اختلافها لا تحيد عن أن تكون عن حماية اللغة من “الفساد”، وهو التغيّر اللغوي الطبيعي، وهو تغير لاحظه الصحابة رضي الله عنهم والتابعون من بعدهم، وحرصوا على
![]()
![]()
جُذورٌ تُزعج مَن لا جذورَ له: دعوى جمود العربية
شجرةٌ في قريةٍ لا أحدَ يتذكَّر متى غُرست، ولا مَن غرسها، وكأنها كانت هناك قبل أن تكون القرية، وقبل أن يجتمع فيها الناس. جذورُها تشقُّ الأرض شقًّا، وتمضي في أعماقها، وفروعُها تبسطُ الظلال، وتحول بين المستظل وما يؤذيه من حرٍّ وشعاع، وأهلُ القرية ينعمون بخيراتها من ثمرٍ ومن ظلٍّ ومن أعوادٍ تسقط من أغصانها، وفي يومٍ جاء رجلٌ من مدينةٍ بعيدة، يحمل دفترًا ومعطفًا ثقيلًا لا يتناسب وطقس القرية ولا طقوسها. وقف أمام الشجرة وأدار بصره، ثم سأل أوَّل من لقيه: هل تنحني مع الريح؟ فأجابه الرجل: لا هل يمكن اقتلاعها؟ لا اكتفى بتلك النظرة، ورأى أنّها ليست ضعيفة كما عهد في بيئته،
![]()
![]()
رسالةٌ لا تُطوى مع الدفاتر
المعلِّمُ والأسرةُ… وأثرٌ لا ينقطع مع نهاية العام الدراسي تُطوى صفحاتٌ من الجهد والعطاء، وتنقضي أيامٌ حافلةٌ بالعمل والإنجاز، غير أنها تُخلِّف وراءها أثرًا لا تمحوه الأيام؛ فبين دفاتر الطلّاب، وممرّات المدارس، وقاعات الدرس، كُتبت قصصُ نجاحٍ، ونُسجت ذكرياتٌ، وغُرست قيمٌ، ورُسمت ملامحُ جيلٍ بأكمله. وما أحرى المربِّيَ في هذه الوقفة أن يتجاوز التوديعَ العابر إلى تأمّلٍ في حقيقة رسالته؛ يسأل نفسه: ما جوهرُها؟ وكيف يبقى أثرُها؟ ومَن شركاؤه في حملها؟ تلك أسئلةٌ ثلاثةٌ ينتظمها هذا المقال. رسالةٌ قبل أن تكون مهنة أمّا جوهرُ الرسالة، فإنّ العلم لم يكن في تصوّر هذه الأمة وظيفةً تُؤدّى وكفى، بل كان أشرفَ ما يُشتغل به؛ إذ
![]()
![]()